السيد محمد تقي المدرسي
65
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
واستمرت هذه المراكز تواصل بحوثها التقليدية بالرغم من اجتياح الموج الإسلامي العالي للبلاد وأحداث التغييرات الهائلة بها . ولكل من مركزي حران وجندي سابور ميزة معينة على الآخر . فحران في شمالي سوريا كانت موطناً لطائفة خاصة من عبدة النجوم ، وكانت ديانتهم ( التي زعم العباسيون أنها ديانة الصابئة ) قد اختلطت بالمؤثرات الهيلينية والغنوصية والعرمسية ، وهذا الخليط العجيب قد أعدهم للقيام بدور الوسيط بين العرب والثقافة اليونانية ، كما وفر لهم فرصة الحصول على ميزة التنجيم « 1 » التي أصبحت مدخلًا واسعاً لهم إلى قلب البلاط العباسي ، حيث أصبحوا مستشارين للعباسيين في مختلف الشؤون الحساسة « 2 » ويعلم الله كم غيروا وبدلوا من شؤون المسلمين عبر خرافة التنجيم التي آمن بها ملوك بني العباس خلافاً لأمر الله وأمر رسوله الكريم الذي أثر عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " صدق الله وكذب المنجمون " . مدرسة جندي سابور الفارسية على مقربة من موقع بغداد الحالي أسس كسرى أنوشيروان عام ( 555 ) للميلاد هذه المدرسة التي أصبحت مؤسسة كبرى للعلوم اليونانية في غربي آسيا ومركزاً لاختلاطها بالأفكار الفارسية . وظلت هذه المدرسة إلى العهد العباسي حين أمر المنصور ببناء مدينة بغداد سنة 762 م ، ولأن الخلافة العباسية تأسست على يد الخراسانيين ، وكان للفرس - وبالذات البرامكة - علاقات وثيقة معها ، ولقرب موقع المدرسة من العاصمة
--> ( 1 ) ( ) أنظر تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 25 . ( 2 ) يقول ماجد فخري : الانتفاضات السياسية التي تلت سقوط السلالة الأموية ، وانتقال الخلافة إلى بني العباس ، قد أقنعت هؤلاء بأن مصير الإنسانية وقيام الدول وانجلائها هي أسرار محفوظة في ثنايا النجوم ، وأنه من شأن الحكماء وحدهم حل رموزها والكشف عن خفاياها . ويضيف قائلًا : حتى أن أكثر خلفاء العصر انفتاحاً نظير المأمون لم يتحرر من هذا الاعتماد على النجوم ولم يكتف بأن ألحق بخدمته منجّماً خاصاً بالبلاط وحسب ، بل كان لا يقوم بعمل عسكري أو سياسي هام إلا بعد أن يستشيره بشأنه أولًا ، المصدر ، ص 30 .